السيد عبد الأعلى السبزواري

69

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

قوله تعالى : أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ . سبب آخر في كتمان الحق ، وقد بين سبحانه هذا الأمر في موضع آخر ، قال تعالى : « وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ » البقرة - 77 . وربما يكون الأمران متلازمين فان إيتاء غير اليهود الحق يلازمه المحاجة عند ربهم . وإنما قطع سبحانه هذا الأمر عن سابقه ( بأو ) لبيان استقلال كل واحد من هذين الأمرين في مكائدهم وغيضهم . أو يكون الترديد باعتبار اختلاف العوالم ، فان الأول في دار الدنيا ، والثاني يكون في عالم الآخرة . قوله تعالى : قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ . ردّ لما زعموه ، وإبطال لحججهم في كتمانهم الحق . والفضل عبارة عما يؤتى زيادة عن أصل الاستحقاق ، وقد يطلق على أصل ما يؤتى ولو لم تكن زيادة . والمراد به المعنى الأعم من ذلك ، بناء على ما أثبته جمع من الفلاسفة والمتكلمين من أنه لا استحقاق في البين أصلا وانما يكون مطلق عطائه تبارك وتعالى فضلا . ويراد به في المقام مطلق مواهبه وعطياته فتشمل أصل النبوة والرسالة ، وتفضيل بعض النبيين على بعض ، وما منحه اللّه تعالى لنبيه الكريم ( صلى اللّه عليه وآله ) وأمته . فيكون مثل هذه الآية ردا على كل من زعم أن أفعاله وحركاته وسعيه مؤثرة في إزالة الحق عن مقره ، أو تخصيصه لنفسه ، فان الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء من عباده وفق الحكمة المتعالية ، لا سيما في الفضائل المعنوية التي لا يعلم خصوصياتها أحد إلا اللّه تعالى الذي بيده